دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

كثيرة جدا هي المرات التي ارسلت فيها إسرائيل رسائل واضحة ، لا تقبل التأويل ، تتمثل في رفضها لخيار السلام العربي . ومثالا لا حصرا ، رسالة الإجتياح الكبير للأراضي الفلسطينية غداة ولادة مبادرة السلام العربية ، كأحد منجزات قمة بيروت في العام 2002 . ويومها غفت هذه المبادرة ، وظلت في طور الكمون .     وبين العامين 2002 و 2007 الحالي ، كانت هناك خمس سنوات ، انفرد الإسرائيليون بالفلسطينيين ، أذاقوهم فيها الأمرين ، جراء الحرب الشرسة التي أعلنت عليهم ، وكانت سهام الرسائل الإسرائيلية موجهة صوبهم ، متمثلة في مسلسل اجتياحات مدمرة للحجر والشجر والبشر . وكانت شهية إسرائيل لافتراس المزيد من الأراضي الفلسطينية مفتوحة على مصراعيها كعادتها دائما وأبدا ، بغية توسيع خارطة الإستيطان وتكريسها على أرض الواقع . ولم تنج القدس من سهام التهويد التي أصابتها في الصميم .

    وقبل أسابيع معدودة ، عقدت القمة العربية التاسعة عشر في الرياض العاصمة السعودية . وقد أحيت هذه القمة المبادرة العربية من مرقدها ، وأوكلت أمر شرحها وتسويقها إلى رباعية عربية " السعودية – الأردن – مصر – الإمارات العربية " لكل من يهمه الأمر ، وفي مقدمتهم إسرائيل التي هللت وكبرت ، ليس للمبادرة التي رفضتها وواجهتها بلاءاتها الأربع " لحق العودة ، والقدس ، وتفكيك المستوطنات ، والعودة إلى حدود العام 1967 " ، وإنما لكون الرباعية العربية تمثل الجامعة العربية . وهذا ما أثلج صدر إسرائيل ، كونها وضعت رجلها على طريق العبور إلى العالم العربي .
    أما ما يخص مبادرة السلام العربية ، وهي الخيار العربي الوحيد ، فإن الرد الإسرائيلي عليها لم يتغير البتة . إنها تشترط لقبولها إفراغها من ثوابت القضية الفلسطينية التي طالما أشهرت لاءاتها في وجهها . وإمعانا في التأكيد على رفضها ، وإضافة إلى مسلسل الإجتياحات المستدامة ، أعلنت إسرائيل منذ أيام اعتزامها بناء حيين إستيطانيين جديدين في القدس ، يضمان عشرين ألف وحدة سكنية . وبذا فإنها تستكمل ترسيم خارطة تهويد القدس جغرافيا وديموغرافيا ، وتحجيم طابعها العربي الإسلامي وتقزيمه .
    إنه الإستيطان . والإستيطان من منظور إسرائيلي ، لا يعني مجرد اغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية ، ولا مجرد إقامة الوحدات السكنية وما يتبعها من مرافق ، ولا إنشاء الطرق الإلتفافية ، ولا بناء جدار العزل العنصري فحسب ، وإنما هو تكريس لكيان واحد وحيد على الأرض الفلسطينية هو الكيان الإسرائيلي ليس إلا . أما ما يسمى بالعملية السلمية بكل مسمياتها وأشكالها ، فهي مجرد مهدئات سياسية ، تقتضيها طبيعة الظروف الآنية ، وسرعان ما تفقد مفعولها ، ويتم الإنتقال إلى سواها ، وهكذا دواليك .

    إلا أن الأخطر من هذا كله هو تمسك الأنظمة العربية بخيار واحد " خيار السلام " على علاته ، وثبات فشل مركباته ، وعدم جدواه ، تحت ظلال الرفض الإسرائيلي الذي هو دون أدنى شك يشكل استراتيجة سياسية غير قابلة للتغيير .
    وهنا تتبادر إلى الأذهان اسئلة لطالما رددها المواطنون الفلسطينيون ، وهم يرقبون بحسرة وألم ما آلت إليه أحوال العالم العربي الذي يعيش حالة فريدة من انعدام الوزن السياسي والإقتصادي والثقافي : لماذا هذا الإصرار العربي على خيار يعلمون يقينا أنه مرفوض من قبل الطرف المعني ؟ . لماذا لا يكون للأنظمة العربية بدائل أخرى ، وليس المقصود هنا البديل الحربي ؟ . هل هذا عجز أم تعاجز ؟ . هل هذا نتاج إراداتهم ، أم أنه طرح مفروض عليهم تسويقه بأي ثمن كان ؟ .
إن الأسئلة كثيرة . وحقيقة الأمر إنها تساؤلات استنكارية ، وأجوبتها معروفة مسبقا . لكن الأهم من كل هذا سؤال لا بد من طرحه : هل تعرف الأنظمة العربية ما يدور في تفكير المواطن الفلسطيني تجاه هذا كله ؟ . ونحن هنا نجيب مقتبسين إجابتنا من بيت الشعر العربي       إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة  -  وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم .

أجل إن الأجوبة باتت معروفة للقاصي قبل الداني ، والمصيبة الفلسطينية أصبحت أعظم . إنها تنطلق جميعها من كون الأنظمة العربية ، قد تخلت عن القضية التي كانت ذات يوم قضية العرب الأولى . إن الأنظمة العربية قد التزمت جانب الحياد والمشاهدة عن بعد ، واجترار خيار سلام لا يسمن ولا يغني من جوع .
فلسطينيا ، ان الاستيطان يعني شرعنة استلاب الارض التي هي مادة الوجود الفلسطيني الرئيسة . والفلسطينيون لا يتصورون سلاما دائما مع استلاب هذه الاراضي ، وهي ليست أية اراض وانما هي منتقاة ومختارة بعناية تؤدي وظائف تخدم اهدافا احتلالية استراتيجية جغرافية وديمورافية بعيدة المدى .
وللتذكير فإن الأراضي التي يقوم عليها الاستيطان الاسرائيلي هي قمم الجبال والمرتفعات الفلسطينية التي تشكل مواقع أمنية واستراتيجية للتحكم بكل التجمعات الفلسطينية والاشراف على طرق مواصلاتها . وهي خيرة الاراضي الخصبة التي يعتاش على غلالها الفلسطينيون وهي الاراضي التي تشكل مخزونا اسراتيجيا ديموغرافيا لاستيعاب الزيادات الناجمة عن النمو السكاني الطبيعي .

 وهي اخيرا لا آخرا أراضي آبائهم واجدادهم منذ آلاف السنين . وهي القدس التي تشكل مساحة مرموقة من التاريخ العربي الإسلامي ، والعقيدة الإسلامية . وهي الأقصى المبارك الذي يتربص له من يسمون بأمناء الهيكل المزعوم .

وفي حقيقة الامر ان إسرائيل منذ العام 1967 ، لم تهدأ جرافاتها لحظة واحدة بغض النظر عن ألوان السياسات التي كانت تحركها يسارية ام يمينية ام وسطية ، او سواء كانت اسرائيل في حالة حرب مع العرب ، أو تحت ظلال العملية السلمية التي يفرتض انها قامت على اساس مبدأ الأرض مقابل السلام .  ان الاستيطان من منظور إسرائيلي هو خارج معادلة أي سلام . وعلى ما يبدو ان اقصى ما يمكن ان تقدمه اكثر السياسات الاسرائيلية تسامحا وتساهلا هو فترة استراحة لجرافاتها والياتها الاخرى ، تلتقط انفاسها خلالها استعدادا لنشاط موعود جديد ومخطط له .

إن الشعب الفلسطيني الذي دخلت نكبته عامها الستين ، والذي يستعد لإحياء الذكرى السنوية الاربعين لاحتلال كامل تراب وطنه ، مدرك تماما أن المشروع الإستيطاني الصهيوني ، لا يتقاطع بأية نقطة مع مبادرة السلام العربية ، ولا يحسب لها أي حساب يذكر، وأنه ماض غير آبه بها ، ولا يمكن في يوم من الأيام أن تشكل مدخلا للسياسة الإسرائيلية التي عودته الأنظمة العربية على عدم جديتها فيما يخص كل طروحاتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية .
وخلاصة القول ، لقد اعتاد الشعب الفلسطيني على شتى اشكال الظروف القاهرة  ، وهو من المناعة بحيث ان ظرفا ما ايا كان لن يقدر على احباطه او تدمير قواه الذاتية التي حافظ عليها عبر اقسى نضالاته . وهو مدرك وواع ومستعد لكافة الاحتمالات ، واولاها فشل العملية السلمية برمتها . وفي هذه الحال لن يكون هو الخاسر الوحيد . ورب ضارة نافعة . فلعل هذا الفشل المحتم ، يفتح آفاقا أخرى ، ولعله يطرح خيارات عربية ذات مصداقية ، تكون نابعة من إحساس عروبي لم يعد يحتمل الإنتظار على واقعه المرير.

شاعر وكاتب فلسطيني

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية