دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

تى لا يكون هناك أي تأويل آخر لهذا العنوان ، إرتأينا بداية أن نفسره بما لا يدع مجالا للشك فيه . إن المقصود بالتهدئة  ، هو ما يريده الفلسطينيون ، وما يمليه المنطق ، والمتمثل في أن تكون التهدئة تبادلية تزامنية وشاملة . بمعنى أن يتبناها الطرف الإسرائيلي ، وأن يقبل بها قلبا وقالبا ، لا أن تكون من طرف واحد هو الفلسطيني .

      وهي شاملة ، بمعنى أن تنطبق على كل الأراضي الفلسطينية – الضفة الفلسطينية والقطاع - دون استثناء - . وينطبق هذا الشمول على كل الفعاليات القتالية  والممارسات الإحتلالية ، بكافة أشكالها . ومثالا لا حصرا الإجتياحات والإغتيالات والإعتقالات ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وتوسيعها .
      إلا أن الأهم من ذلك ، أن التهدئة من منظور فلسطيني ، لا ينبغي لها أن تبقي على الوضع الحالي قائما . أو أن يظل المشهد السياسي الحالي خاليا من أية بادرة أمل لعملية سلمية جادة ، لا يماطل الإسرائيليون فيها ، ولا يخادعون ، ولا يشترطون اشتراطات تعجيزية ، ولا يفرضون منظورهم لها . وزيادة على ذلك أن يقبلوا بما أقرته الشرعية الدولية من قرارات ، تؤكد على ضرورة استعادة الفلسطينيين لكامل حقوقهم المشروعة ، في إطار سلام عادل وشامل مقابل الأرض .

      أما التهدئة الأخرى ، فهي التهدئة من منظور إسرائيلي . وهي بمعنى أدق وأصح حالة تكريس للإحتلال الإسرائيلي . وكلتا التهدئتين على طرفي نقيض . وحقيقة الأمر أن الإسرائيليين يفترضون التهدئة من طرف واحد هو الفلسطيني . وهي بأي شكل من الأشكال لا تسري عليهم ، ولا على ممارساتهم الإحتلالية . وهم إذا ما قبلوا بصيغة ما لها ، فهي مجرد تجميد لفعالياتهم العدوانية في القطاع ، دون بقية الأراضي الفلسطينية .

      في هذه الأيام ، يدور الحديث عن مشروع تهدئة جديدة ، جراء ما آلت إليه الأوضاع المتفجرة في مجمل الأراضي الفلسطينية بعامة ، وقطاع غزة بخاصة . وفي المقابل ، لا يمكن استثناء أوضاع المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للقطاع ، والتي تتعرض لردود أفعال فلسطينية متواضعة ، تتخذها الحكومة الإسرائيلية حجة بغية تحقيق أهداف ، بدأت تتكشف مخططاتها العدوانية . إنها باختصار حرب شعواء لا هوادة فيها ، ما زالت تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني بشرا وحجرا وشجرا منذ زمن بعيد ، سواء كانت هناك ردود أفعال فلسطينية ، أو لم تكن .

      ومثالا لا حصرا ، ووفقا لتقرير منظمة العفو الدولية " أمنستي " الذي أصدرته حديثا ، فإن إسرائيل قد قتلت خلال العام المنصرم 2006 ، والذي يفترض أن تهدئة كانت تسوده ستمائة وخمسين فلسطينيا ، نصفهم من المدنيين العزل ، وبينهم مائة وعشرون طفلا ، وذلك بزيادة قدرها ثلاثة أضعاف معدلات العام 2005 . وهذه الأرقام لا تشتمل على أعداد الضحايا الفلسطينيين منذ بداية العام 2007 حتى نهاية شهر أيار / مايو من ذات العام ، والتي سجلت ارتفاعا ملحوظا ولا فتا للنظر .

      وحقيقة الأمر ، إن أعداد الشهداء الفلسطينيين ، والجرحى ، والمعتقلين ، لا تشكل مجمل صورة المشهد الكارثي الفلسطيني العام ، بأي شكل من الأشكال . واستكمالا لقراءة تقرير منظمة العفو الدولية ، فإن إسرائيل ، إضافة إلى كل ما ذكر آنفا ، قد عمقت سياساتها هوة الفقر في الأراضي الفلسطينية من خلال احتجازها المستحقات الجمركية العائدة للفلسطنيين ، والتي تشكل أهم مصدر دخل لهم ، وعبر توسيع شبكة الحواجز ، وقيود التنقل الأخرى .

      ومما لا شك فيه ، أن هذه السياسات القمعية الجائرة ، قد أدت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في كافة الأراضي الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق ، أفرز أوضاعا كارثية في شتى المجالات الصحية والبطالة وغيرها . وإذا ما أضيف إلى كل ذلك إفرازات الحصار الأخرى ، ونخص بالذكر أزمة انقطاع رواتب ما ينوف عن مائة وستين ألف موظف ، فإن الإقتصاد الفلسطيني يمر في حالة من التدهور غير مسبوقة .

      ولم يقف تقرير منظمة العفو الدولية عند هذه الحدود ، بل تعداه إلى انتقادها إسرائيل على مواصلة مصادرة الأراضي الفلسطينية ، وذلك بغية بناء المزيد من المستوطنات ، أو توسيع القائم منها . كما أن التقرير لم يستثن توجيه نقد لتكثيف العمل في بناء جدار الفصل العنصري الذي أفرز حالات كارثية على كافة الصعد الفلسطينية .

      ونحن هنا لم نتحدث عن الأوضاع الكارثية التي تضرب الأراضي الفلسطينية جراء السياسات الإسرائيلية القمعية من منظور فلسطيني . لقد آثرنا هذه المرة أن نسرد بعضا منها من خلال وجهة نظر دولية محايدة . وفي هذا الصدد ، لم نجد أصدق تعبيرا من تقرير منظمة العفو الدولية ، وإن كان ينطبق عليه المثل الشعبي " إللي بنضرب بالعصي ، مش متل إللي بعدها " .

      وعودة إلى موضوع التهدئة . فهي من أساسها غير منطقية . وهي غير عقلانية ، كونها بين طرفين محتل " إسم مفعول " وهو الشعب الفلسطيني ، ومحتل " إسم فاعل " وهي إسرائيل التي يصول جيشها ويجول في ثلاثية البر والبحر والجو الفلسطينية ، زارعا الخراب والدمار والموت فيها . إن إسرائيل تريد تهدئة من طرف واحد ، لا تشملها بأية صورة من الصور ، تبيح لها أن تفعل ما تشاء ، تجتاح ، تقتل ، تعتقل ، تدمر ، تصادر .

      وإذا ما كانت هناك ردود أفعال فلسطينية متواضعة على سياساتها هذه ، فإن لها من منظورها ومنظور حليفتها الولايات المتحدة الأميركية الحق في الدفاع عن نفسها . وهو دفاع هجومي شرس ، مفرط باستخدام القوة ، لا يعرف الرحمة ، لا يميز بين مقاتل وبين مواطن أعزل ، لا حول له ولا قوة .

      لقد أثبت المرات العديدة السابقة ، أن هذا النمط من التهدئات ، لا يمكن أن يثبت ، أو أن يكتب له الإستمرار أو النجاح في وقف الممارسات العدوانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني . عدا عن أن الذي يطلبه الشعب الفلسطيني أكثر بكثير من لعبة التهدئات التي تفتقر إلى أدنى ذرة من التبادلية والمصداقية . إنها والحق يقال ، قد أصبحت من منظور إسرائيلي غاية في حد ذاتها ، لا وسيلة لمرحلة متقدمة تنتفي فيها كل أعمال العنف ، وتخطط لسلام دائم وعادل .

      إن المطلوب أفق سياسي للقضية الفلسطينية ، تلوح منه بارقة أمل ، إضاءة في خر النفق ، بادرة تسوية عادلة ، تنهي كافة المظاهر العدوانية الإحتلالية ، وتنهي معها الإحتلال الإسرائيلي البغيض ، وتؤسس لسلام دائم وعادل ، لا يحمل في طياته أدنى انتقاص للحقوق الفلسطينية المشروعة .

      كلمة أخيرة ، ثمة سؤال عريض متعدد الجوانب في هذا السياق : هل إن إسرائيل مستعدة لهذا السلام العادل والمنصف ؟ . هل ستتخلى عن مشروعاتها الإستيطانية ؟ . هل ستقبل بمبادرة السلام العربية ؟ . هل ستعيد الأرض العربية مقابل السلام ؟ . هل ستعترف بحقوق الفلسطينيين المتعلقة بالقضية الفلسطينية ؟ . وهل وهل وهل ؟ .

      إننا نشك في ذلك . ولا يتأتى هذا الشك من دافع التشاؤم . إننا انطلاقا من تجاربنا السابقة المريرة مع الإحتلال الإسرائيلي ، تشكلت لدينا وتعمقت قناعات مفادها أن إسرائيل غير معنية لا بتهدئة ، ولا عملية سلمية ، ولا بأي شكل من أشكال السلام المنصف . ويقينا إن المنظور الإسرائيلي للتسوية مع الفلسطينيين ، ينبع من عقيدة ساسة إسرائيل المتمثلة في فرض السلم الإسرائيلي الذي لا يحمل إلا مضمونا واحدا هو الهيمنة ، ولا شيء إلا الهيمنة على الشعب الفلسطيني ومقدراته ، لاغيا قضيته من جذورها . وإن غدا لناظره قريب .
 
شاعر وكاتب فلسطيني

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية