دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

أيها الفلسطينيون الممتحنون بالسلب والصبر والدم والصمت والكساح العربيين , عذرا ألف عذر , لأننا تركناكم وحدكم هناك في ساحات الشرف وانسحبنا من المعركة , عذرا لأن إخوانكم في مقاطعات هذه الأمة الثلاثة والعشرين فُجعوا في كرامتهم وأوكلوا إليكم وحدكم مهمة الدفاع عن وجودهم.
عفوا لأنكم تجاهدون في معركة الحق ونحن نغرق في الفتن , ولأنكم صامدون في ساحات النور والضياء ونحن نختنق بالعفن , عفوا لانكم وحدكم المنافحون عن التاريخ والمستقبل ونحن في تمزقنا ودعواتنا الطائفية والانفصالية والخوارجية نتخبط كالحمقى ونلقي بأنفسنا الى موت ٍ ذليل ٍ , وأنتم وحدكم هناك المرابطون ..من جراحكم تنبعث ريح المسك لأنكم وحدكم القابضون على الجمر في مثل هذه الأيام الحالكات .
عذرا لأننا نأكل وننام ويقتلنا السأم والهرولة وراء الأوهام والأحلام , عذرا ألف عذر لأننا محسوبون عليكم عربا ومسلمين , عذرا لأننا نعيش على حساب قضيتكم , ونقتات من دمائكم , ونلعق دموعكم , عذرا لأننا جعلنا من آلامكم مشجبا نعلق عليه كلّ انحطاطنا وسقوطنا وانتكاسنا وارتكاسنا.

وعذرا على الرغم من دعوتكم التي يطلب الينا فيها بعضكم أن نخرج من ذاكرتكم , عذرا لان كلماتكم هذه أقل مما نستحق , وأهون من مصيبتنا في انفسنا , وأصغر من جريمة صمتنا وسكوتنا .
هل تريد ان تعرفوا أين هم العرب اليوم ؟ أين هم هؤلاء الذين مايفتؤون يصبّون جام غضبهم على حكامهم ليُبرؤا أنفسهم من دمكم ومن كل دم ٍ مسفوح ٍ بين يديّ عجزنا عن حياة ..مجرد حياة , وأمام حماقاتنا البالغة في فهم ملابسات التاريخ وفقه الدين الذي نتمسح به وفقط للتعبير عن شهواتنا المتأججة في سفك المزيد من الدماء غير الطاهرة على مذابح غير طاهرة ؟؟ , هل تريدون أن تعرفوا أين هم العرب والمسلمون ؟ ولماذا تركوكم وحدكم هناك في عراء هذه الصحراء الموحشة تضييعاً وقهراً , مع العقارب المتوحشة تنهش لحوم اطفالكم والآلام المفترسة تمزق قدرتكم على مواصلة الطريق.
انهم في كل مكان سدّوا منافذ التنفس , وانهمكوا في التكاثر بالقاذورات , واستساغوا الموات , وخافوا ضرب هراوتين على رؤسهم , وسجن شهرين أو رصاصة طائشة قد تصيبهم في مظاهرة او اعتصام , وجبنوا أمام مجرد تصور الاعتقال وشيء من الاستجواب وشيء من التعذيب , كيف لا ؟ وكُلهم في بيوتهم سجّانون مُستَجوبون مختصون في فنون تعذيب الزوجات والأولاد وكل من ابتلاه الله بوصايتهم عليه !! .
انهم في المقاهي القذرة يُدخنون نرجيلة العجز والعقم , في الشوارع الخلفية لتاريخ ٍ يصنعه الآخرون ,بينما هم جلوس يمضغون القاتّ والحشيش ويتفرجون.

نصبر ونقلب أعيننا في السماء استمطارا للفرج وقد مرت خمسون عاما ونحن ننتظر , ولم تحدثنا أنفسنا فيها بحفر بئر في الارض يروي بمياهه عطشنا , وكأنه لاأمم غيرنا قد امتُحنت , ولاأحد غيرنا قد ابتُلي بالاستبداد والاستعمار , وكانه لاأحد غيرنا قدم حفنة من الشهداء , وهانحن منذ هاتيك الايام نجترّ نفس الأسماء ونقتات نفس الأحداث ونعيش على نفس الذكريات.

أتريدون ان تعرفوا من نحن ؟ نحن المنخذلون المُخَذِّلون نحسب كل صيحة علينا العدو , المتقاعسون المثّاقِلون الملتصقون ببطوننا بالأرض زاحفين فوق أمجادنا الغابرات ,العاجزون عن قول كلمة حق , المتنكبون عن أي حركة تحررنا من أسر ِ كلّ هذه القيود التي تربطنا وتكبلنا حتى لنبدو فيها أننا الاسرى وأن الذين قضوا أعمارهم في سجون الظلم هم الاحرار .
استكنّا لانظمة استعبدتنا , ولعادات ٍ وتقاليد دمرتنا , ونحن نعاني أزمة خطيرة في الرجولة , من نعرفهم من رجالنا كلّهم اما عُلِقوا على مشانق ارهاب الدولة , أو غُيّبوا في المقابر الجماعية التي فتحت افواهها الغولية لابتلاع كل من تجرأ ليس على قول كلمة ٍ وحسب , وانما كل من سوّلت له نفسه تسديد نظرة لظالم حتى لو كان رجل أمن لايساوي قيمة السترة العسكرية التي يرتديها , وأما من تبقّى من رجالنا فقد هاجروا أو هُجروا , وهناك _ هنا _ في الغربة ذبحهم ذل البحث عن الهوية , وأصابهم يأسهم من أوطانهم بالإحباط .
اما عن أولئك الذين تكتظ بهم أسواقنا وتعلو أصواتهم ويحسبهم الظمآن ماء , أما البقية ممن نعرف ولا نعرف فاسأل عنهم جبارين عصاة أبطالٌ في غرف التعذيب المخفيّة وراء أستار البيوت , يبحثون عن حقوقهم الشرعية في ضعف نسائهم وغياب النصير , ويستعبدون أبناءهم باسم الطاعة العمياء وأنت ومالك لأبيك , منهمكون في حلقات العلم في تفنيد القول في قصّ المرأة لشعرها , وحكم خروجها من بيتها لزيارة اهلها , وفقه الحيض والنفاس , ومعاني تأديب الرجل أهل بيته ..وهنالك ومنذ قرون وقفت بهم عبقريتهم الفقهية وهنالك انتهى بهم الطواف !!.
عن ماذا أحدثكم ..عن جرأتنا الكلامية في "الجزيرة " , , أم عن بطولاتنا منقطعة النظير في السباب والشتائم وتعليق كل المصائب على عواتق حكامنا ونحن أشد ظلما منهم وجورا وخورا ,عن ماذا أحدثكم ؟ عن الأنانية والكذب والنفاق وتضييع الاعمار في التفاخر والتنافس على القمامة , وقيل وقال , أم عن انهيار عملية التربية والتباس معاني الأخلاق .
لقد نكأ جراحنا من دعانا منكم الى الخروج من ذاكرته! , وقال عظيما ,أعظم مافيه أنه كلمة حق عند أمة تنتحر , أمة ارتاحت من عناء الشعور بالذنب والبحث عن الذات , واكتفت بملذات الساعة , والرضى بالأمر الواقع .
اننا مرضى حتى النخاع , السلّ لايصيب الرئتين فحسب , السلّ ينخُر في سلوكنا وافكارنا وقناعاتنا وصياغة شخصياتنا.
ولكننا وعلى الرغم من ذلك نرجوكم أن لاتخرجونا من ذاكرتكم , لأننا ان خرجنا منها سنبقى على قارعة طريق "القضية" أكوام من الحثالة والقاذورات , ولاتطلبوا الينا أن لانذكركم أمام أطفالنا , فإنه الأمل الوحيد وأضعف الايمان الذي تبقى لنا , أن ننقل هذه الامانة التي عجزنا عن حملها إلى الجيل الآتي , لعله يكون أكثر صحة وسلامة وشرفاً منا , ولعله يستطيع أن ينقل المعركة من داخل البيوت والأسر إلى ساحات الشهادة والجهاد والكرامة , ولعله أن يتغلب على قدره في قمع النساء وشلّ قدرة أطفال هذه الامة على التغيير , ويتعافى من ازدواج الشخصية , واستفحال داء الساديّة بين جنبيه , ويكون أكثر قدرة على خطوة ايجابية تغسل عارنا , وهو يفكر في البناء لافي الهدم وفي المستقبل لافي الماضي , وفي الحرية لافي قدرته في اثبات رجولته في معارك مع الطواحين الهوائية.
لاتمنعونا من أن نحمل ألم فلسطين , وننقله إلى أبنائنا , فانه الاستغفار الوحيد الذي بقي لنا في زمن الكفر والجحود والأخطاء والذنوب التي لاتغتفر.
أيها الفلسطينيون ..اقبلونا في ذاكرتكم , لاتخرجونا منها على الرغم من عقوقنا وسوء أدبنا ,..أبقونا في ذاكرتكم , على هامش وجودكم , لعل ذلك يمنحنا بعض الطهر وبعض الكرامة , وياأهل فلسطين ..محنتكم أكبر من الكلمات , وعجزنا أشدّ هولا من الهول , ونحن لانملك إلا أن نعتذر منكم عن عجزنا , فعذرا ..ألف عذر , وعفوا ألف عفو , لأنكم أنتم أنتم ..ونحن نحن.

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية