دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

بقلم يحي أبوزكريا من القطب الشمالي

عندما يقبل الليل و أنت على مقربة من القطب الشمالي و بينك وبين العالم العربي مسافات كواكب ونجوم , يصبح لهذا الليل نغمة مغايرة و ايقاع فريد من نوعه خصوصا عندما يكون هذا الليل مصحوبا بهدوء يشبه هدوء أهل القبور , وظلمة حالكة ممزوجة ببرودة تنخر العظام نخرا , الليل السويدي هو لوحة سوداء مغرقة في السوريالية و التشاؤم ,في ذا الليل بامكانك أن تصير ما حلى لك أن تصير , فلك أن تصير متصوفا مستغرقا في العشق الألهي ولك أن تصير فيلسوفا استغرقه التفكير في متاهات الوجود والعدم , ولك أن تصير عربيدا يداوي منفاه بالتي كانت هي الداء,ولك أن تصير من أهل المجون , لكن الليل السويدي هو الليل فمهما كانت ذاتك متغيرة يظل هو شديد الظلمة والبرودة يخرجك من طورك تارة , ومن سجيتك تارة أخرى .
و لأننا نعيش في عالم بلا صداقات , ولأن القيم في دنيا السويد تحولت هي الأخرى الى سيولة نقدية خاضعة لسعر الصرف , فان الليل في هذه الحالة يصبح الرفيق والأنيس و الصاحب الحقيقي في المنفى الجليدي , و قد أخذ هذا الليل السويدي من القطب الشمالي كل خصائصه , فهو مخيف و مظلم و بارد للغاية و فوق هذا و ذاك فان لهذا الليل صوتا خاصا بل قل موسيقى مميزة صيغت نوتتها بين الموتى أو ربما في أعماق البحار المجهولة أو ربما هو الصمت القطبي عندما يصبح له صدى .
ولطالما أذهب هذا الليل عقول الحالمين بوطن جديد لا وجود فيه للسجون ووسائل التعذيب , فأصبحوا وهم ينتمون الىمملكة الفاقدين لعقولهم , و أما الذين لم يتمكن هذا الليل القطبي من التأثير على عقولهم فقد باتوا واصبحوا وهم يبحثون عن خارطة خاصة لهوية أخرى وانتماء مغاير و أسماء جديدة.
وعبثا يحاول المرء الفرار من هذا الليل اذ أنه في فصل الشتاء يطل عليك عند الظهيرة مباشرة و يسترسل في ملازمتك الى أن يجعلك تفتح كل سجلات الذاكرة و التي تزيدك تعذيبا عندما تعيد قراءتها وأنت تشاهد الفضائيات العربية التي سماها البعض هاهنا بالفضائيات الغنائية و يوجد من سماها بالفضائيات الرئاسية حيث أنها أنشئت لخدمة الرؤساء دون غيرهم.
و لأننا هجرنا واقع الرؤساء فاننا نضطر ان نغلق الشاشة ولسان حالنا الليل السويدي على سوداويته أفضل من الواقع العربي برؤسائه المنهزمين !!!!!

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية