مقدّمة

الكتاب من تأليف الأستاذ الدكتور عزمي بشارة، ويندرج هذا العمل المهم  في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ ضمن الدراسات التي تناولت ظاهرة السلفية، مُركّزًة على تعدد أشكالها ورفض اختزالها في مذهب واحد أو تنميطها بالعنف أو التشدد الديني. ينطلق الكتاب من سؤال مركزي: ما السلفية؟، ليس كتعريف لغوي أو فقهي، بل كمدخل لتحليل ظاهرة فكرية-اجتماعية مركبة، تشكّلت في سياقات تاريخية مختلفة وتجسّدت في صيغ متنوعة.

تهدف هذه القراءة النقدية إلى مناقشة الأطروحات الأساسية التي يقدّمها الكتاب، وتحليل منطلقاته المفاهيمية والمنهجية، مع التركيز على مدى اتساق استخدام المفاهيم التاريخية، وحدود التفسير السوسيولوجي الذي يعتمده المؤلف في تفسير نشوء السلفيات المعاصرة، ولا سيما في تناوله لمفاهيم مثل: الدولة النبوية، التقوى والطهرية، الجهاد، والسلف بوصفهم مرجعية معيارية. ولا تسعى هذه القراءة إلى تفنيد الكتاب من منطلق عقدي أو تقويمي، بل إلى مساءلته من داخل منطقه التحليلي، وبيان ما ينجزه معرفيًا، وما يثيره من إشكالات بحثية.

تعتمد الدراسة منهج القراءة النقدية التحليلية، من خلال إعادة بناء أطروحات الكتاب أولًا، ثم مناقشتها في ضوء تاريخ المفاهيم والسياقات الاجتماعية والسياسية التي يتناولها، مع التمييز بين الوصف السوسيولوجي من جهة، وإصدار الأحكام التفسيرية العامة من جهة أخرى.

أولًا: أطروحة الكتاب وبنيته العامة

يتكوّن الكتاب من تقديم وأربعة فصول، يسعى من خلالها المؤلف إلى تفكيك مفهوم السلفية وإعادة بنائه تحليليًا، انطلاقًا من فرضية مركزية مفادها أن السلفية ليست مذهبًا واحدًا متجانسًا، ولا ظاهرة تاريخية متصلة الحلقات، بل مجموعة من الاتجاهات المتعددة التي تشكّلت في سياقات زمنية واجتماعية مختلفة، وتشترك في بعض السمات العامة دون أن تنتمي إلى بنية فكرية واحدة مغلقة.

في الفصل الأول، يعالج المؤلف سؤال "ما السلفية؟" بوصفه سؤالًا إشكاليًا، وينتهي إلى أن الحديث عن "السلفية" بصيغة المفرد المعرّف ينطوي على تبسيط مخل، إذ لا توجد صيغة واحدة للسلفية، بل يمكن الحديث عن "سلفيات" متعددة، دينية وغير دينية، سنية وشيعية، بل وحتى في سياقات فكرية غير إسلامية. ويرى أن السلفية، بهذا المعنى، ليست حكرًا على مذهب أو تيار بعينه، بل هي نمط من التفكير يقوم على استدعاء الماضي بوصفه نموذجًا معياريًا لإصلاح الحاضر.

أما الفصل الثاني، فيتناول مسألة التكفير، بوصفها إحدى القضايا المركزية في الجدل حول الحركات السلفية. ويعرض المؤلف تباين مواقف الجماعات السلفية والإسلامية من قضية تكفير الآخر، مبيّنًا أن التكفير لم يكن موقفًا موحدًا، بل تراوح بين اعتباره حكمًا فرديًا محدودًا، وبين توسيعه ليشمل المجتمع بأكمله في بعض التجارب المتطرفة. ويسعى الفصل إلى ربط مواقف التكفير بالبنى التنظيمية والسياقات السياسية التي نشأت فيها هذه الجماعات.

في الفصل الثالث، ينتقل الكتاب إلى تحليل شروط نشوء السلفيات المعاصرة، مركّزًا على العوامل السياسية والاجتماعية التي أسهمت في إنتاج أشكال متشددة من التدين، مثل القمع السياسي، والسجن، والتهميش، إضافة إلى أثر الصراعات الدولية، ولا سيما الصراع العربي- الإسرائيلي، والتدخلات الخارجية. ويؤكد المؤلف أن الحركات السلفية الجهادية لا يمكن تفسيرها بوصفها نتاجًا مباشرًا للنصوص الدينية، بل بوصفها استجابة تاريخية لأوضاع اجتماعية وسياسية عنيفة.

ويُفرد الفصل الرابع لدراسة نقدية لتجربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث يناقش نشأة الحركة الوهابية وتحالفها مع السلطة السياسية، وتحولاتها الأيديولوجية عبر مراحل تاريخية متعددة، مع التركيز على تصورها لإعادة بناء مجتمع النبوة، الذي يصفه المؤلف بأنه ينطوي على نزعة "يوتوبية" تستحضر نموذجًا متخيّلًا للماضي.

يقدّم الكتاب، في مجمله، محاولة جادة لإعادة التفكير في السلفية خارج ثنائية التقديس أو الإدانة، ويؤسس لمقاربة ترى في السلفية ظاهرة تاريخية - اجتماعية متعددة الأشكال، غير أن هذه المقاربة، على أهميتها، تثير عددًا من الإشكالات المفاهيمية والمنهجية التي تستدعي نقاشًا نقديًا، وهو ما ستتناوله الأقسام التالية.

ثانيًا: الدولة النبوية بين المفهوم الحديث والسياق التاريخي

يتوقف المؤلف، في أكثر من موضع من الكتاب، عند الاستخدام المتكرر لمفهوم "دولة النبي" -صلى الله عليه وسلم- في خطاب التيارات السلفية والإسلامية عمومًا، ويعبّر عن تحفّظه إزاء هذا الاستخدام، بوصفه إسقاطًا لمفهوم الدولة على كيان تاريخي سابق على تشكّل الدولة الحديثة بمؤسساتها السيادية المعروفة. وينطلق هذا التحفّظ من فهم الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا مؤسسيًا يتميّز بوجود جهاز إداري دائم، ومنظومة قانونية مكتوبة، وممارسة سيادة مركزية عبر مؤسسات متمايزة، وهو تعريف ارتبط تاريخيًا بتطور الدولة الحديثة في أوروبا.

غير أن الإشكال المنهجي في هذا الطرح لا يكمن في نفي اختلاف السياق التاريخي، وهو أمر لا خلاف عليه، بل في تعميم معيار الدولة الحديثة بوصفه الإطار المرجعي الوحيد للحكم على الكيانات السياسية السابقة. فالتعامل مع التجربة النبوية في المدينة على أنها "ما قبل الدولة" يظل إشكاليًا إذا لم يُراعَ الفرق بين المفهوم بوصفه بناءً تاريخيًا متحوّلًا، وبين النموذج المؤسسي الحديث بوصفه مرحلة محددة في تطور فكرة الدولة.

من منظور تاريخ الأفكار السياسية، يمكن النظر إلى الكيان الذي تأسس في المدينة بوصفه شكلًا من أشكال التنظيم السياسي المبكر، القائم على التعاقد الاجتماعي، وتنظيم العلاقة بين الجماعات المختلفة، وبسط السلطة على نطاق جغرافي محدد، وممارسة وظائف الحكم الأساسية، وإن كانت هذه الوظائف تُمارس بصيغ غير مؤسسية بالمعنى الحديث. وتُعد "وثيقة المدينة" مثالًا دالًا على هذا النمط من التنظيم، بوصفها نصًا تنظيميًا حدّد إطار العلاقة بين مكوّنات المجتمع، وبيّن الحقوق والواجبات، ورسّخ مبدأ الاحتكام إلى سلطة مرجعية واحدة في إدارة الشأن العام.

لا يعني هذا توصيف التجربة النبوية بوصفها دولة بالمعنى الحديث، ولا يفترض إسقاط نموذج الدولة القومية المعاصرة عليها، وإنما يهدف إلى التنبيه إلى أن مفهوم الدولة نفسه عرف تحولات تاريخية متعددة، وأن اختزال التجربة النبوية في كونها مجرد جماعة دينية أو تحالف قبلي يفتقر إلى الدقة التاريخية. كما أن التيارات الإسلامية التي تستحضر نموذج "دولة المدينة" لا تفعل ذلك، في الغالب، بوصفه نموذجًا مؤسسيًا جاهزًا، بل بوصفه إطارًا معياريًا عامًا لتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

من هنا، يمكن القول إن نقد هذا الاستحضار يقتضي التمييز بين مستويين مختلفين: مستوى التحليل التاريخي الذي يقرّ بتباين أشكال التنظيم السياسي عبر العصور، ومستوى الاستخدام الأيديولوجي للنموذج النبوي بوصفه وصفة سياسية جاهزة للحاضر. وفي حين ينجح الكتاب في نقد المستوى الثاني، فإنه يميل أحيانًا إلى تعميم حكمه على المستوى الأول، بما يؤدي إلى تضييق أفق التحليل المفاهيمي لمفهوم الدولة في السياقات السابقة على الحداثة.

ثالثًا: التقوى والطهرية بين الوصف السوسيولوجي والتعميم التفسيري

يطرح بشارة، في سياق تحليله للسلفية، إشكالية ما يسميه "الطهرية المُتخيّلة" التي تنسبها التيارات السلفية والإسلامية عمومًا إلى مجتمع النبوة والمرحلة الراشدة، معتبرًا أن هذا التصور ينطوي على مثالية لاحقة لا تعكس الواقع التاريخي كما كان عليه. ويهدف هذا الطرح إلى نقد النزعة المعيارية التي تتعامل مع الجيل المؤسس بوصفه نموذجًا كاملًا ومتعاليًا على شروط التاريخ.

لا يثير هذا النقد إشكالًا من حيث المبدأ، إذ إن معظم الحركات الدينية والأيديولوجية تميل إلى إعادة بناء لحظات التأسيس بوصفها لحظات نقاء مكتمل، تُستدعى لاحقًا بوصفها مرجعية معيارية. غير أن الإشكال المنهجي يظهر عندما يتحول نقد المثالية إلى تعميم تفسيري ينفي، بصورة شبه كلية، وجود سمات نوعية ميّزت المرحلة التأسيسية، ويُدرجها ضمن خانة "التخييل" الاجتماعي اللاحق.

فمن منظور سوسيولوجي تاريخي، لا يلزم من نفي الكمال المثالي نفي الخصوصية التاريخية. فالمرحلة التأسيسية لأي جماعة دينية أو سياسية غالبًا ما تتسم بدرجة أعلى من التماسك القيمي، والانضباط السلوكي، والاستعداد الجماعي للالتزام، مقارنة بالمراحل اللاحقة التي تتسع فيها الجماعة وتتباين مصالحها وبناها الاجتماعية. وهذه الخصوصية لا تعني غياب التوترات أو الصراعات، لكنها تشير إلى وجود نمط أخلاقي عام مرتبط بسياق النشأة والتأسيس.

وعليه، فإن توصيف المرحلة الأولى من عمر المجتمعات الإسلامية بوصفها مرحلة "تقوى متخيّلة" يحتاج إلى مزيد من التمييز المفاهيمي بين مستويين مختلفين: مستوى الخطاب الوعظي أو الأيديولوجي الذي يضخم صورة الماضي، ومستوى التحليل التاريخي الذي يرصد سمات عامة دون أن يضفي عليها طابعًا معياريًا مطلقًا. فالخلط بين هذين المستويين قد يؤدي إلى قراءة اختزالية لا تقل إشكالًا عن القراءة التمجيدية التي يسعى الكتاب إلى تجاوزها.

إن الإشكال هنا لا يتمثل في نقد استدعاء الماضي بوصفه نموذجًا مكتملًا، بل في إنكار أن تكون المرحلة التأسيسية قد امتلكت، بالفعل، خصائص اجتماعية وأخلاقية مميزة قياسًا بالمراحل اللاحقة. ويؤدي هذا الإنكار إلى تقويض القدرة التحليلية على فهم أسباب فاعلية الخطاب التأسيسي نفسه، ولماذا ظل حاضرًا بقوة في الذاكرة الجماعية الإسلامية.

بذلك، يمكن القول إن مقاربة الكتاب لمسألة التقوى والطهرية تسهم في تفكيك الاستخدام الأيديولوجي للماضي، لكنها تحتاج إلى ضبط أوضح للتمييز بين النقد السوسيولوجي للمثالية التاريخية، وبين نفي الخصوصية التأسيسية بوصفها واقعًا اجتماعيًا قابلاً للرصد والتحليل.

رابعًا: تفسير نشوء السلفية: العوامل الاجتماعية والسياسية والحدود المفاهيمية للتفسير النصي

يولي الكتاب اهتمامًا واضحًا للعوامل الموضوعية التي أسهمت في نشوء السلفية والحركات الإسلامية المعاصرة، مؤكدًا أن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها حصريًا من خلال النصوص الشرعية أو الموروث الديني، بل تتأثر بمجموعة متشابكة من الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويشكل هذا الطرح أساسًا نقديًا هامًا للقراءات التي تميل إلى اختزال السلفية في نصوصية صارمة، معتبرة أن العودة إلى الماضي "الطاهر" هي السبب الوحيد وراء العنف أو التشدّد. من خلال التحليل التاريخي، يمكن رصد عدة محددات أساسية:

1. الظروف الاجتماعية والاقتصادية:

تتأثر الحركات الدينية بظروف الفقر، التهميش، والاضطهاد الاجتماعي والسياسي. هذه العوامل تعمل كحاضنة لظهور خطاب إصلاحي أو احتجاجي، وتسهم في تفسير أسباب التفجّر الجماعي للتيارات المتشددة في فترات معينة.

2. البيئة السياسية والصراعات الإقليمية:

تشير التجربة التاريخية إلى أن بعض الحركات السلفية ظهرت في سياقات صراع عربي إسلامي مع القوى الغربية أو في مواجهة أنظمة محلية ضعيفة أو متخاذلة، مما أوجد ظروفًا مواتية لتفعيل خطاب سياسي–ديني يقدّم نفسه كأداة مواجهة.

3. تأثير القوى الخارجية:

يذكر الكتاب، بإيجاز، دور المملكة العربية السعودية في دعم بعض الحركات المسلحة خلال الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي. غير أنّ هذا الطرح يمكن تعميقه عبر الإشارة إلى أنّ قوى استعمارية وغربية أسهمت، أحيانًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في نشوء جماعات دينية جديدة، اتخذ بعضها طابعًا وظيفيًا أو متطرفًا، ولم يكن منبثقًا من السياقات الاجتماعية المحلية، أو استُخدم أداةً لتعزيز الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية. ويكشف ذلك عن أهمية إدماج البعد الدولي والجيوسياسي في تحليل الظواهر الدينية والسياسية، بوصفه عنصرًا مفسِّرًا لا غنى عنه لفهم مساراتها ودينامياتها.

4. التفسير النصي وحدوده:

التأكيد على أن التفسيرات المتشددة للنصوص الدينية ليست سببًا ضروريًا لإنتاج العنف، وإنما تتفاعل مع هذه العوامل الموضوعية. هذا يقود إلى استنتاج مفاده أن فهم الظاهرة السلفية يحتاج إلى مزج بين التحليل النصي والتحليل البنيوي-التاريخي، مع مراعاة شروط نشوء الجماعات الاجتماعية والسياسية.

خامسًا: الوهابية، الجهاد، وفكرة السلف كأساس للتقويم

يتناول الكتاب تجربة الحركة الوهابية في نجد، مركّزًا على تحليل مقولاتها حول الجهاد والغنائم، وكذلك النظرية السلفية في استدعاء الماضي كمصدر للمعايير الأخلاقية والاجتماعية. ويهدف هذا الطرح إلى تفكيك الاستخدام الأيديولوجي للتاريخ وتوضيح أن هذا الاستخدام ليس بالضرورة انعكاسًا للواقع التاريخي كما هو. ونقدم التحليل على شكل نقاط:

1. الجهاد والغنائم في السياق الوهابي

يشير المؤلف إلى أن الحركة الوهابية استخدمت مفهوم الجهاد لتبرير الغزو والسلب، وهو ما نراه تعميم خاطئ على سلوك تاريخي معقد. من منظور تاريخي، يمكن ملاحظة ما يلي:

  • العمليات العسكرية بين القبائل العربية، بما في ذلك في نجد، كانت ممارسة مألوفة في إطار الأعراف القبلية – تقاليد الغزو- ولا تتطلب تبريرًا دينيًا محددًا، بل كانت جزءًا من التنظيم الاجتماعي التقليدي.
  • الجهاد، بوصفه مفهومًا فقهيًا وأخلاقيًا، يمتد إلى أبعاد روحانية واجتماعية أوسع، ولا يختزل في الغنائم أو المكاسب المادية.
  • لذلك، ربط الغزو والسلب مباشرة بمفهوم الجهاد يمثل قراءة أحادية تحتاج إلى ضبط تاريخي وتحليلي أكثر دقة، يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والسياسي المحلي والقبلي.

2. فكرة السلف والتقويم المستمر

ينتقد الكتاب توجه السلفية إلى اعتبار القدوة الأولى (النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم) معيارًا مطلقًا لكل زمان ومكان، معتبرًا أن هذا التقديس يؤدي إلى تجميد الحاضر. من وجهة النظر المنهجية، يمكن صياغة الملاحظات التالية:

  • التقديس التاريخي للسلف ليس فريدًا بالحركة السلفية، بل يمثل ظاهرة شائعة في كثير من الديانات والحركات الفكرية والسياسية، حيث يُستدعى الماضي لإعادة تأسيس القيم والمعايير.
  • استخدام الماضي كمصدر للتقويم ينبغي أن يُفهم بوصفه إطارًا مرجعيًا وليس نموذجًا معياريًا جامدًا، إذ إن الثابت هو الوظيفة الإرشادية للماضي وليس استنساخ تفاصيله بشكل حرفي.
  • من هذا المنظور، نقد الكتاب لمقولة الإمام مالك (رحمه الله) المشهورة: "لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" صحيح من جهة ضبط الإفراط في التوظيف المثالي للماضي، لكنه يحتاج إلى الاعتراف بأن المرحلة الأولى للإسلام شهدت بالفعل مستوى من النظام الاجتماعي والأخلاقي يمكن رصده تاريخيًا، وإن لم يكن مثاليًا بالكامل.

3. الوهابية والسياق السياسي والاجتماعي

يُظهر التحليل أن الحركة الوهابية لم تنشأ في فراغ، بل في سياق اجتماعي وسياسي محدد، حيث لعب التحالف بين المؤسسة الدينية والمجتمع القبلي دورًا محوريًا في تشكيل النشاط العسكري والسياسي. بالتالي، فهم الحركة يتطلب دراسة البيئة الموضوعية التي تطورت فيها، وليس الاقتصار على تفسيرها بوصفها انعكاسًا لمخطط عقائدي صرف.

خلاصة نقدية

يمثل كتاب "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟" لعزمي بشارة محاولة جادة لتفكيك السلفية وإعادة بنائها كظاهرة تاريخية - اجتماعية متعددة الأبعاد، بعيدًا عن الصور النمطية المختزلة التي غالبًا ما اقترنت بالعنف أو التشدد الديني. ومع ذلك، تكشف القراءة النقدية عن مجموعة من الإشكالات المنهجية والمفاهيمية التي تستدعي الانتباه:

1. تمييز السلفيات وتعددها

ينجح الكتاب في الإشارة إلى أن السلفية ليست تيارًا موحدًا أو مذهبًا متجانسًا، بل مجموعة من الاتجاهات المتنوعة التي تتشارك في بعض السمات دون الانتماء إلى بنية فكرية مغلقة. يمثل هذا التمييز مساهمة معرفية واضحة، إلا أنه يظل محدود الدقة من الناحية التحليلية، إذ يفتقر الكتاب إلى معايير محددة وواضحة لتصنيف هذه الاتجاهات أو لبيان اختلاف استراتيجياتها الاجتماعية والسياسية. هذا الغموض قد يترك الانطباع بأن التنوع في السلفيات مجرّد صياغة نظرية، مما يقلل من القدرة على تفسير التجارب المعاصرة بشكل دقيق وموضوعي. ومن ثم، يتطلب التحليل المستقبلي تحديدًا دقيقًا لحدود الفروق بين السلفيات في السياقات التاريخية والمعاصرة، لتجنب الانزلاق نحو تعميمات نظرية تضعف فاعلية الاستنتاجات البحثية.

2. الاهتمام بالسياق الاجتماعي والسياسي

يشير الكتاب إلى أن نشوء الحركات السلفية والجهادية يرتبط بمجموعة من العوامل الموضوعية، مثل التهميش الاجتماعي، القمع السياسي، والصراعات الإقليمية، وليس مجرد تفسير نصي أو ديني للنصوص. يقدّم هذا الطرح إطارًا متوازنًا لفهم الظاهرة، لكنه أحيانًا يميل إلى تعميم الأحكام على التجارب التاريخية دون التمييز الكافي بين المستويات المفاهيمية المختلفة (التاريخية، الأيديولوجية، الفقهية). كما أن التحليل يفتقر أحيانًا إلى دراسة التفاعلات المعقدة بين النصوص، المرجعية الدينية، والسياق التاريخي، مما قد يؤدي إلى إغفال دور التفسير الديني الذاتي في تشكيل المواقف، وهو عنصر أساسي لفهم تطور السلفية المعاصرة بشكل دقيق.

3. النص مقابل التوظيف التاريخي

من خلال دراسة تجربة الوهابية وفكرة السلف، يُبرز الكتاب ضرورة ضبط استخدام الماضي كمصدر للتقويم، وعدم تحويله إلى معيار مثالي جامد. غير أن القراءة النقدية تشير إلى أن بعض الفصول تميل إلى نفي الخصوصية التاريخية للمرحلة التأسيسية، ما قد يقلل من القدرة التحليلية على تفسير أسباب فاعلية الخطاب التأسيسي واستمراره في الذاكرة الجماعية.

4. الدولة النبوية والتقوى الطهرية

يقدم الكتاب نقدًا مفيدًا للاستخدام الأيديولوجي لمفهوم "دولة المدينة" و"التقوى المتخيّلة"، لكنه في الوقت نفسه يعتمد معيار الدولة الحديثة كمرجعية أساسية للحكم على التجربة التاريخية، مما يحد من فهم خصائص التنظيم السياسي والاجتماعي المبكر، ويضعف التحليل المقارن للتطورات السياسية في السياقات ما قبل الحداثة.

الإنجاز البحثي والحدود المنهجية

يتمثل الإنجاز في الجمع بين التحليل النصي والتفسير السياقي، لكن حدود الكتاب تظهر في التداخل أحيانًا بين التحليل السوسيولوجي والتفسير السياسي للأحداث التاريخية، مما قد يؤدي إلى تعميمات غير دقيقة. كما أن الاعتماد على بعض الأمثلة الجزئية (مثل تجربة الوهابية) دون استعراض أوسع للسياقات الإقليمية المتنوعة، يضعف القدرة على استخلاص استنتاجات شاملة.

توصية نقدية ختامية

تحتاج القراءات المستقبلية إلى موازنة أكثر دقة بين نقد المثالية التاريخية والاعتراف بالخصوصية الفاعلة للمرحلة التأسيسية، مع مراعاة التمييز بين مستويات التحليل المختلفة (النص، السياق الاجتماعي، الديناميات السياسية)، لتفادي الانزلاق نحو اختزال الظاهرة أو تجاهل عناصر الفاعلية التاريخية والاجتماعية أو الدينية التي شكلت السلفية واستمرار تأثيرها حتى الوقت المعاصر.

كاتب وأكاديمي
عبد الحكيم شباط، أكاديمي وكاتب مقيم في ألمانيا، له العديد من المؤلفات والأبحاث العلمية والأدبية المنشورة باللّغتين الألمانية والعربية.

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية