دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

(1)
كنت قد أدمنتُ النوم علي ظهري .. النوم فوق سريري ..
وسريري قائمٌ وسط غرفتي .. أنا امتلك سريراً أنام عليه وغرفةً تأويني .
لي صديقان من عالم الحيوان : كلب وهرَّة . كلبي الوفي يحميني من اللصوص ، يقبع أمام باب غرفتي ويظل الليل ساهراً ، وقطتي الشقيَّة الجميلة تلازمني ، تمسح رأسها الناعم بصدغي وهي تموء ، تنام بحضني وأنا أغفو علي همس أنفاسها ، وكنت أدمن ، أيضاً ، التطلع لسقف غرفتي ساعات وساعات ، وكان عقلي يدور ويعمل مفكراً .. لا أدري كم من الوقت ؟ يدور ويدور .. حيث يعدو علي محيطات الدوائر المتداخلة المتشابكة بلا كلل إلي ما لا نهاية ، يبدأ من دائرة فأرى نفسي بلا وعي علي حدود الأخرى ، أدمنتُ الركض علي الدوائر ، لا ألقي بالاً لمراكزها الثابتة . وبرغم تباين ألوانها فإن عقلي يمضي راكضاً عليها ساعات وساعات ، حتى تنسدل الجفون غامضةً علي عينيّ المحدقتين في السقف ..
في حضني قطتي الأليفة وعند بابي كلبي الأمين .
(2)
مرَّت أيامٌ كثيرة وليال طويلة ، لا أدري متى ـ بلا وعي أيضاً ـ صار إدماني في التفكير الراكض بلا صوت فوق حدود الدوائر عشقاً تولهاً .
(3 )
اعتقد أنني رأيت فأراً ينسل من تحت سريري جارياً للخارج . قلت : لا بأس لا بأس . وأنا أرى القطة الوفيَّة تعـدو خلفه ، أعرف أنها لن تتركه ، سوف تلتهمه ، لن تدعه يعـود . فلأعـد إلي ما كنت فيه .
(4 )
أظن أنني سمعتُ صوتَ أقدامٍ خفيَّة تركض فوق السقف .. أهو لـص؟ .. لا اعتقد ، كلبي الأمين ينبح عند الباب ، لن يترك اللص ، سيمزق ملابسه ، سيغرس أنيابه وقواطعه في لحم بدنه . لن يدعه يعـود ، فلأعـد إلي ما كنت فيه .


(5 )
اعتقد أنني رأيت فأرين ، ربما ثلاثة ، وثبتْ قطتي قافزةً من بين يديّ ، انقضَّت بأرجلها وأسنانها علي واحـد وفـرَّ اثنان . نمت ليلتي مطمئن البال بعـد سويعات من الركض الصامت . لما جاء الصباح اكتشفت ضياع غطائي الذي التحف به ، دُهشت لأن الكلب بالباب كان يعوي كذئب فتي ماهر ! ، لا أعرف من أين أتى اللـص ؟ ، عدتُ إلي ما كنت فيه .
(6)
بغرفتي عدد من الفئران ، كانت قطتي تطاردهم بشراسة ، تفترس وتقتنص بلا هوادة . سمعت هوهوة الكلب خلف أقدام تركض وتبتعد ، فوجئت وأنا علي الأرض أن سريري الذي أنام عليه قد سُرق وضاع . عادت قطتي الأليفة ، لم تمسح رأسها بصدري ووجهي كالعادة ، كانت تتألم وتـ " نوْنوْ " جريحة ، أخيراً نامت بجانبي . كان الكلب يتشمم عند الباب فأدركت عودته ، وإلي سقفي ودوائري اللانهائية عُدت .
(7)
امتلأت الغرفة عن آخرها بالفئران ، هاجمت الفئران قطتي المسكينة الجريحة ، وكانت تستعطفني بموائها الحـاد الحزين .
انقطع حِـس الكلب منذ الصباح .
فوجئت بأنني عاري الجسد ، لقد سُرقت ملابسي دون أن أدري .
التهمت الفئران القطة تماماً بعد أن مزقتها إرباً ..
يا للعجب ! .. رأيتها بأجسامها الرخوة ، أسنانها الدقيقة المنشارية ، آذانها الصغيرة ، أطرافها الرفيعة ، ذيولها الصغيرة .. تقبل نحوي وتخمش لحمي العاري وتنهش جسدي بنهـم وتلــذذ ..
توقفتُ عند إحدى الدوائر وأردت القيام من مرقدي ، تعثرتُ . كانت بالكثرة ـ علي كل جزء من بدني ـ التي لا تمكنني من الدفاع أو حتى الحركة .. أجلتُ بصري ورأيته :
" عدو الشمس " ، بوجهه الأبله يقهقه ضاحكاً ، ويسد بجسده المترهل باب غرفتي ، ويمنع عني النـور والهـواء ..
انطلقت راكضاً ، فوجئت بنفسي علي دائرة أخرى وأنا أتتساءل : هل تأكل الفئران لحم البني آدم ؟! .. وما زلت أفكـر .

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية