.jpg)
في قديم الزمان كان هناك مجموعة دجاج (الدجاج كلمة تفيد المذكر والمؤنث)، تعيش في مزرعة فسيحة (كبيرة)، عبارة عن مرج (أرض واسعة ذات نبات ومرْعى) أخضر، مليء بسنابل القمح والحبوب، ومزروعات لذيذة طرية يحبها الكتاكيت (فَرْخُ الدَّجَاجِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ صِيَاحِهِ فِي سُرْعَةٍ) والأكبر سناً.. وفي المزرعة عدد كبير من الدجاج، مكوَّن من أسر كثيرة، تعرف بعضها بعضاً، تتعاون بمحبة وإخلاص، تتزاور، ويحرص كل منها على الآخر.
كانت الإبتسامة الحذرة تغلف وجه الحاجة نجيبة الخريفي وسط احتفال ملحوظ تمارسه الرؤوس المصغية لوقع الكلمات وهي تصف ماحدث لها في سوق المدينة ، كانت تتكلم أحياناً وتهذر في أحيان أخرى ، وهذرها يوسم كلماتها بمسحة صدق في زمن تشظّت فيه الأقاويل والحكايات ، بات من الصعب الحصول على يقين ثابت عن مايحدث في الشارع المجاور ، وفي خضم القال والقيل صار يتعذر على من يفكر في الذهاب إلى السوق تحديد أمكنة الخطر الوافد مع أصوات العربات وصيحات الباعة المتجولين الذين تناما الحدس في ذاكراتهم وجعلهم أحذر من طيور الشرق النافرة كل الوقت ، كانت نجيبة تسرد حكايتها مستغلة خدر الجمهور الذي بدا منشغلاً في نسج حكاياته اليومية ، رؤوس مدورة بوجوه كئيبة غير مكترثة بأسبقيات الحديث ، لغط وجمل مبتورة تتداخل مع قحّات تغادر صدور كسّرها النيكوتين والقهر ، كل رأس يتوسل البقية أن ينصتوا له لحظات كي يحصد كل مافي كرة رأسه قبل خواء الذاكرة ، قبل أن تغادر الأمكنة خرائطها وترتحل إلى وجهات مجهولة.
أَجمَلُ مَا في الحُب أننا نُدركُ كَم كَانَت حياتُـنا رَائعةً قًبلهنظرتُ ، بريبة التـائه ، اللوحة الزرقاء المعلقة بأول الشارع ، مرَّتْ عيناي ببطء علي
الحروف البيضاء المتشابكة عليها ، لأتأكد أن قدميَّ لم تخطئا الطريق إليه ، إنه نفس
الشارع القديم ، " شارع الشاكوشي " الذي كانت قدماي الطفلتان تدبان علي أرضه منذ سنوات
بعيدة ، لقد تغـيَّر كما تغـيَّر كل شيء ، لم يعـد هو نفس الشارع القـديم ..
وقف أمام المرآة يتعمق تفاصيل وجهه الذي حرثته الأيام..
لم يستوقفه مظهره و غضون وجهه و تسريحة شعره التي زحف عليها الصلع ، لم يعد يلقي بالا لمثل هذه الترهات..
تركز اهتمامه على شاربه المتهدل كغصن دالية الحوش التي لم يطالها التقليم ، والمتمدد بشموخ فوق شفتين متغضنتين تميلان للزرقة ووجه يضج أسىً على ماض لن يعود.
أمسك نهاية شاربة بأطراف أصابعه ، راهن على جزئه الثاني ، كم كان واثقا من نفسه وهو يستمع بامتلاء لنشرة الأخبار التي تتوعد الغزاة،
الصفحة 16 من 35